المنجي بوسنينة

32

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

التقائه بأبي علي النّفطي وأبي يوسف يعقوب الدّهماني والطّاهر المزوغي . وكلّ هؤلاء كانوا من حملة العلم ومن أقطاب التّصوّف في تلك الفترة ، كما ترجّح بعض المصادر التقاء أبي سعيد الباجي بمحيي الدّين بن عربي ( ت 638 ه / 1240 م ) وذلك أثناء نزوله عند عبد العزيز المهدوي بالمرسي . كان أبو سعيد الباجي علامة بارزة في الحياة الصوفيّة بإفريقيّة زمن الدولة الحفصيّة . إليه آل مجلس المهدوي للصوفيّة وصار شيخا له ، كما تتلمذ له أبو الحسن الشاذلي وبرعاية منه اكتمل عرفانه الصوفي ، لا سيما أنّه عرف حاله مذ رآه ، كما تكلّم بذلك أبو الحسن الشاذلي نفسه . كان أبو سعيد الباجي ميّالا إلى فعل الخير وإغاثة النّاس والاجتهاد في قضاء حوائجهم مع حبّ العلم والانقطاع إلى الزّهد والمجاهدة وإيثار التأمّل والاعتكاف في الخلوات والمرابطة في المغارات ، وقد هام بالمحبّة الإلهيّة كما جاء في مناقبه التي كتبها أبو الحسن علي بن القاسم الهوّاري ( ت 666 ه / 1270 م ) ضمن مجموع يضمّ ترجمة لعدد من أولياء الحاضرة . خرج أبو سعيد الباجي من باجة القديمة إلى الحجّ سنة 603 ه / 1206 م ومنها انتقل إلى الشّام . ثمّ رجع إلى تونس سنة ( 606 ه / 1210 م ) ، فازداد عدد أتباعه وذاع صيته بعدما اعتاد الإعراض عن النّاس والاشتغال بخصيصة نفسه ، فاتّخذ من مغارة المعشوق بجبل التّوبة ، ميعادا لحلقة ذكره ، فسن بذلك منهجا ومقصدا متفردا في الحياة الرّوحيّة . وبقي ما يزيد على العشرين سنة ينشر مبادئ التّصوّف بين سكّان الحاضرة وأحوازها رافضا كلّ العروض والهدايا والمناصب التي قدّمها إليه السّيد أبو العلا الموحّدي ، المناصر للصّوفيّة ، الذي تولّي أمر إفريقيّة ما بين ( 619 ه / 1221 م - 623 ه / 1223 م ) ، واشتهر أبو سعيد الباجي بتدريس أسرار التصوف ومبادئه بمجلسه بربوة المنار حيث كان له كلام كثير في التّوحيد والمعاملات ومراتب المكاشفة وحقائق المواهب . كما تبرز مناقبه سعة علمه ومدى اطّلاعه على فقه الشّرع وقدرته على الافتاء في أداء الفرائض والواجبات من جهة الوقت والمكان . ولم يكن علمه ينفصل عن حياته الرّوحيّة وتأمّله ومجاهداته ، سيما وأنّه كان دائم الإقامة بربوة جبل المنار التي اختارها مكانا للزّهد والعبادة . لقد وصف أبو القاسم الهوّاري لنا حالة التّواضع والتّقشّف القصوى التي غلبت على شيخه منذ بدء أمره وسلوكه طريق التّصوّف . ويكشف نصّ مناقبه ، في سياق آخر ، عن ذيوع صيته مشرقا ومغربا والاعتداد بعلمه . من ذلك أنّ أحد العلماء من أهل قرطبة شغل خطّة القضاء بتونس ، كان حريصا على أن يرسل بكتبه إلى مجلس الشّيخ أبي سعيد . وفي تعليله لذلك قال : « إنّي أريد أن أرسل إليه جميع كتبي لتكون عنده فتقرأ عليه في مجلسه بعد موتي . . . » . ولم يكن أبو سعيد يهتمّ كثيرا بمعرفة النّاس ومخالطتهم أو مجادلتهم في آرائهم رغم اهتمامه بالعلماء واطّلاعه على مختلف المذاهب وأسرار العلوم ، إذ « كان في أوّل